السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
684
مختصر الميزان في تفسير القرآن
واحد واحد من القوم فلا يأمن أحدهم أن يمسه هذا العذاب البئيس ، وهذه الصناعة شائعة في اللسان في مقام التهديد والتخويف . وفي قوله تعالى : أو نلعنهم ، حيث أرجع فيه ضمير « هم » الموضوع لاولي العقل إلى قوله : « وُجُوهاً » كما هو الظاهر تلويحا أو تصريحا بأن المراد بالوجوه الأشخاص من حيث استقبالهم مقاصدهم ، وبذلك يضعف احتمال أن يكون المراد بطمس الوجوه وردها على أدبارها تحويل وجوه الأبدان إلى الأقفية كما قال به بعضهم ، ويقوى بذلك احتمال أن المراد من تحويل الوجوه إلى الأدبار تحويل النفوس من حال استقامة الفكر ، وإدراك الواقعيات على واقعياتها إلى حال الاعوجاج والانحطاط الفكري بحيث لا يشاهد حقا إلّا أعرض عنه واشمأز منه ، ولا باطلا إلّا مال إليه وتولع به . وهذا نوع من التصرف الإلهي مقتا ونقمة نظير ما يدل عليه قوله تعالى : وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ( الأنعام / 110 ) . فتبين مما مر أن المراد بطمس الوجوه في الآية نوع تصرف إلهي في النفوس يوجب تغيير طباعها من مطاوعة الحق وتجنب الباطل إلى اتباع الباطل والاحتراز عن الحق في باب الإيمان باللّه وآياته كما يؤيده صدر الآية : آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس ، الخ ؛ وكذا تبين أن المراد باللعن المذكور فيها المسخ . قوله تعالى : وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا إشارة إلى أن الأمر لا محالة واقع ، وقد وقع على ما ذكره اللّه في كتابه من لعنهم وإنزال السخط عليهم ، وإلقاء العداوة والبغضاء بينهم إلى يوم القيامة ، وغير ذلك من آيات كثيرة . قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ ظاهر السياق أن الآية في مقام التعليل للحكم المذكور في الآية السابقة أعني قوله : آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ ، الخ ؛ فيعود المعنى إلى مثل قولنا : فإنكم إن لم تؤمنوا